فصل: سورة العاديات

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


سورة الشرح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ‏(‏1‏)‏ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ‏(‏3‏)‏ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏ هو معطوف على قوله ‏{‏أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 6‏]‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ «سَألْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً، وَوَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْألْهَا قَطُّ، فَقُلْتُ‏:‏ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً‏.‏ فَقَالَ الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فاوى‏}‏ قُلْتُ‏:‏ بَلَى قال‏:‏ ‏{‏وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 7‏]‏ قُلْتُ‏:‏ بَلَى قال ‏{‏وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 8‏]‏ قُلْتُ‏:‏ بَلَى‏.‏ قال ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏» الآية‏.‏

وروي عن بعض المتقدمين أنه قال‏:‏ سورة التوبة والأنفال، بمنزلة سورة واحدة، وسورة ألم نشرح لك والضحى بمنزلة سورة واحدة، وسورة لإيلاف قريش وألم تر كيف فعل ربك، بمنزلة سورة واحدة‏.‏

قال ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ ألم نوسع قلبك بالتوحيد والإيمان، وهذا قول مقاتل‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ أتاه جبريل فشرح صدره، حتى أبدى قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم، فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطشت من ذهب، قد ملئ علماً وإيماناً، فوضعه فيه‏.‏

ويقال الانشراح للعلم، حتى علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مؤمناً من وقت الميثاق، فشق صدره على جهة المثل، فيعبر به عنه‏.‏ ويقال ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ ألم نلين قلبك بقبول الوحي، وحب الخيرات‏.‏ ويقال‏:‏ معناه، ألم نطهر لك قلبك، حتى لا يؤذيك الوسواس، كسائر الناس‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ‏}‏ يعني‏:‏ نوسع لك قلبك بالعلم، كقوله وعلمك مما لم تكن تعلم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ غفرنا لك ذنبك، كقوله ‏{‏لّيَغْفِرَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 2‏]‏ ويقال‏:‏ غفرنا لك ذنبك، وذلتك بترك الاستثناء ويقال‏:‏ معنى ‏{‏وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ عصمناك من الذنوب ‏{‏الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ‏}‏ لو لم يعصمك الله، لأثقل ظهرك، ويقال‏:‏ معناه أخرجنا من قلبك الأخلاق السيئة، وطبائع السوء ‏{‏الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ التي لو لم ننزعها عن قلبك، لأثقل عليك حمل النبوة والرسالة‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ‏}‏ يعني‏:‏ في التأذين والخطب، حتى لا أذكر إلا وذكرت معي، يعني‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل يوم خمس مرات، في الأذان والإقامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 8‏]‏

‏{‏فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ‏(‏6‏)‏ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ‏(‏7‏)‏ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ يعني‏:‏ مع الشدة سعة، يعني‏:‏ بعد الشدة سعة في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ بعد شدة الدنيا سعة في الآخرة، يعني‏:‏ إذا احتمل المشقة في الدنيا، ينال الجنة في الآخرة‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ على وجه التأكيد‏.‏ وروي عن ابن عباس، أنه قال‏:‏ لا يغلب العُسْرُ يُسْرَينْ‏.‏ وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن أنه قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ لا يغلب عسرٌ واحد يُسْرَين، فقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ لو كان العسر في حُجر، جاء اليسر حتى يدخل عليه، لأنه قال تعالى ‏{‏إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً‏}‏ ويقال‏:‏ إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏يُسْراً‏}‏، وهو دخوله يوم فتح مكة، مع عشرة آلاف رجل في عز وشرف‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب‏}‏ يعني‏:‏ إذا فرغت من الجهاد، فاجتهد في العبادة ‏{‏وإلى رَبّكَ فارغب‏}‏ يعني‏:‏ اطلب المسألة إليه‏.‏ قال قتادة‏:‏ فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء‏.‏ هكذا قال الضحاك، وقال مجاهد، ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ‏}‏ من اشتغال نفسك ‏{‏فانصب‏}‏ يعني‏:‏ فَصَلِّ ويقال ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ‏}‏ من الفرائض فانصب في الفضائل، فيقال ‏{‏فَإِذَا فَرَغْتَ‏}‏ من الصلاة، فانصب نفسك للدعاء والمسألة، ‏{‏وإلى رَبّكَ فارغب‏}‏ يعني‏:‏ إلى الله فارغب في الدعاء، برفع حوائجك إليه، والله أعلم وأحكم بالصواب‏.‏

سورة التين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ‏(‏1‏)‏ وَطُورِ سِينِينَ ‏(‏2‏)‏ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ وهما مسجدان بالشام، ويقال‏:‏ هما جبلان بالشام ‏{‏التين‏}‏ جبل بيت المقدس ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ جبل بدمشق وقال قتادة‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ الجبل الذي عليه دمشق ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ الجبل الذي عليه بيت المقدس‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ الذي يؤكل‏.‏ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال‏:‏ تينكم وزيتونكم هذا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو الذي يؤكل، وهو قول سعيد بن جبير، والشعبي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والزيتون وَطُورِ سِينِينَ‏}‏ يعني‏:‏ الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى، صلوات الله على نبينا وعليه ويقال ‏{‏الطور‏}‏ اسم الجبل ‏{‏سِينِينَ‏}‏ يعني‏:‏ ذا شجر‏.‏ ويقال‏:‏ التين معناه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه ‏{‏والزيتون‏}‏ فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنها، ‏{‏وَطُورِ سِينِينَ‏}‏ هما الحسن والحسين سيدا الشهداء في دار الدنيا، وهذا لا يصح في اللغة ‏{‏وهذا البلد الامين‏}‏ يعني‏:‏ مكة أمين من أن يهاج فيها، من دخل فيها‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏الامين‏}‏ لجميع الحيوان الذي لا يجري عليه القلم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ في أحسن صورة، لأنه يمشي مستوياً، وليس منكوساً، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها‏.‏ قال بعضهم‏:‏ نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، وقال بعضهم نزلت في كلدة بن أسيد، وقال بعضهم هذا عام‏.‏ ‏{‏ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين‏}‏ يعني‏:‏ رددناه بعد القوة والشباب، والحسن إلى الضعف والهرم، يعني‏:‏ يصير كالصبي في الحال الأولى، يعني‏:‏ رددناه إلى أرذل العمر‏.‏ ويقال‏:‏ رددناه‏.‏ يعني‏:‏ الفاجر والكافر بعد موته، إلى أسفل السافلين في النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏6‏)‏ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ‏(‏7‏)‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ صدقوا بوحدانية الله تعالى، وعملوا الصالحات ‏{‏فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ غير منقوص، وذلك أن المؤمن إذا عمل في حالة شبابه، وقوته وحياته، فإذا مرض أو هرم، أو مات، فإنه يكتب له حسناته، كما كان يعمل في حال شبابه وقوته، إلى يوم القيامة ويقال‏:‏ ‏{‏غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ غير مقطوع ويقال‏:‏ ‏{‏غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ لا يُمَنُّ عليه‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إنَّ المُؤْمِنُ إذَا مَاتَ، صَعِدَ مَلَكَاهُ إلى السَّمَاءِ، فَيَقُولاَنِ‏:‏ إنَّ عَبْدَكَ فُلاَناً قَدْ مَاتَ، فَأْذَنْ لَنَا حَتَّى نَعْبُدَكَ عَلَى السَّمَاءِ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى‏:‏ إِنَّ سَمَاوَاتِي مَمْلُوْءةٌ بِمَلاَئِكَتِي، وَلَكِنْ اذْهَبَا إلَى قَبْرِهِ، فَاكْتُبَا لَهُ حَسَنَاتِهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَة ‏"‏ ‏{‏فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين‏}‏ يعني‏:‏ أيها الإنسان ما الذي حملك، بعدما خلقك الله تعالى في أحسن تقويم، حتى كذبت بيوم الدين والقضاء ‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين‏}‏ يعني‏:‏ بأعدل العادلين، يعمل بالعدل مع الكفار، ومع المؤمنين بالفضل‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بالدين‏}‏ يعني‏:‏ فما يكذبك أيها الإنسان، بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب والهرم بالحساب، لا تغتر في صورتك وشبابك، فهو قادر على أن يبعثك‏.‏ ويقال‏:‏ معنى قوله ‏{‏إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 3‏]‏ يعني‏:‏ لا يحزن ولا يذهب عقله، من كان عالماً عاملاً به‏.‏ وروي عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»‏.‏ والله أعلم‏.‏

سورة العلق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ‏(‏1‏)‏ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ‏(‏2‏)‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ‏(‏3‏)‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏(‏4‏)‏ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ‏}‏ يقول‏:‏ اقرأ القرآن بأمر ربك، وهذه أول سورة نزلت من القرآن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما بلغ أربعين سنة، كان يسمع صوتاً يناديه يا محمد، ولا يرى شخصه، وكان يخشى على نفسه الجنون، حتى رأى جبريل عليه السلام يوماً في صورته، فغشي عليه، فحمل إلى بيت خديجة‏.‏ فقالوا لها تزوجت مجنوناً، فلما أفاق أخبر بذلك خديجة، فجاءت إلى ورقة بن نوفل، وكان يقرأ الإنجيل ويفسره‏.‏ ثم جاءت إلى عداس، وكان راهباً، فقال لها‏:‏ إن له نبأ وشأناً، يظهر أمره‏.‏

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى الوادي، فجاء جبريل عليه السلام بهذه السورة، وأمره بأن يتوضأ ويصلي ركعتين، فلما رجع أعلم بذلك خديجة، وعلمها الصلاة وذلك قوله‏:‏ ‏{‏>ياأيها الذين ءَامَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة عَلَيْهَا ملائكة غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏ يعني‏:‏ علموهم وأدبوهم‏.‏ وروى معمر عن الزهري أنه قال‏:‏ أخبرني عروة عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت‏:‏ أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي، الرؤيا الصالحة الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح‏.‏ ثم حُبِّب الخلاءُ إليه‏.‏ يعني‏:‏ العزلة وكان يأتي حراء، ويمكث هناك، ثم يرجع إلى خديجة‏.‏

فجاءه الملك، وهو على حراء فقال له‏:‏ اقرأ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ثانية، حتى بلغ مني الجهد‏.‏ ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ فقلت‏:‏ ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقرأ وَرَبُّكَ الاكرم الذىعلم بالقلم علم الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ فرجع ترجف بوادره، وقد أخذته الرّعدة، حتى دخل على خديجة، فقال‏:‏ زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ اقرأ بعون الله ووحيه إليك، ويقال معناه ‏{‏اقرأ باسم رَبّكَ‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 24‏]‏ يعني‏:‏ اذكر ربك الذي خلق الخلائق‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ‏}‏ يعني‏:‏ ابن آدم من دم عبيط، وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏>أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 20‏]‏ وقال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏>ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الارحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يتوفى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الارض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏}‏

‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏ وهذه الآيات يصدّق بعضها بعضاً، لأن أول الخلق من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة‏.‏ كما بين الجملة في موضع آخر‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏اقرأ وَرَبُّكَ الاكرم‏}‏ يعني‏:‏ اقرأ يا محمد صلى الله عليه وسلم وربك يعينك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ ‏{‏الاكرم‏}‏ يعني‏:‏ ربك المتجاوز عن جهل العباد، ويقال‏:‏ ‏{‏اقرأ‏}‏ وقد تم الكلام، ثم استأنف فقال ‏{‏وَرَبُّكَ الاكرم‏}‏ يعني‏:‏ الكريم ويقال الأكرم يعني‏:‏ المكرم الذي يكرم من يشاء بالإسلام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الذى عَلَّمَكُمُ بالقلم‏}‏ علم الكتابة، والخط بالقلم ‏{‏عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ يعني‏:‏ علم آدم عليه السلام أسماء كل شيء، يعني‏:‏ ألهمه ويقال ‏{‏عَلَّمَ الإنسان‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن كقوله ‏{‏>وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏ ويقال‏:‏ علم الإنسان ما لم يعلم، يعني‏:‏ علم بني آدم ما لم يعلموا كقوله‏:‏ ‏{‏>والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 78‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 14‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ‏(‏6‏)‏ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ‏(‏7‏)‏ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ‏(‏8‏)‏ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ‏(‏9‏)‏ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ‏(‏10‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ‏(‏11‏)‏ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ‏(‏12‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏13‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ‏(‏14‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ يعني‏:‏ حقاً ‏{‏إِنَّ الإنسان ليطغى‏}‏ يعني‏:‏ الكافر ليعصي الله‏.‏ ويقال‏:‏ يرفع منزلة نفسه ‏{‏أَن رَّءاهُ استغنى‏}‏ يعني‏:‏ إن رأى نفسه مستغنياً عن الله تعالى، مثل أبي جهل وأصحابه، ومثل فرعون حيث ادعى الربوبية‏.‏ قال أبو الليث رحمه الله‏:‏ حدثنا أبو جعفر بن عوف، عن الأعمش، عن القاسم قال‏:‏ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ منهومان لا يشبعان، طالب العلم وطالب الدنيا، ولا يستويان أما طالب العلم، فيزداد رضا الله وأما طالب الدنيا، فيزداد في الطغيان ثم قال‏:‏ ‏{‏كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّءاهُ استغنى‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى‏}‏ يعني‏:‏ المرجع إلى الله تعالى يوم القيامة، ويقال‏:‏ معناه رجوع الخلائق كلهم بعد الموت إلى الله تعالى، فيحاسبون ويجازون، فريق في الجنة، وفريق في السعير‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا صلى في المسجد، رفع صوته بالقراءة، فلغطوا ورموه بالحجارة، فخفض صوته في الصلاتين الظهر والعصر، إذا حضروا‏.‏ وأما صلاة المغرب، اشتغلوا بالعشاء وصلاة العشاء ناموا، وصلاة الفجر لم يقوموا، فرفع في هذا، فصار سنة إلى اليوم فنزل ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ ويقال‏:‏ إن أبا جهل بن هشام قال‏:‏ لئن رأيت محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي، لأطانّ عنقه فنزل ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ يعني‏:‏ ألم تر أن هذا الكافر، ينهى عبد الله عن الصلاة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَانَ على الهدى‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم، إن كان على الإسلام ‏{‏أَوْ أَمَرَ بالتقوى‏}‏ يعني‏:‏ التوحيد‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏أَن كَذَّبَ‏}‏ بالتوحيد ‏{‏وتولى‏}‏ عن الإسلام ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى‏}‏ أفعاله فيجازيه، وهذا جواب لجميع ما تقدم من قوله ‏{‏أَرَأَيْتَ‏}‏ ويقال في الآية إضمار وهو قوله‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ يعني‏:‏ بهذا الذي يصنع، ويؤذي محمداً صلى الله عليه وسلم، أليس هو على ضلالة، أليس هو قد نهى عن الصلاة والخيرات ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَانَ على الهدى‏}‏ يعني‏:‏ أرأيت أيها الناهي، إن كان المصلي على الهدى ‏{‏أَوْ أَمَرَ بالتقوى‏}‏ يعني‏:‏ بالتوحيد، واجتناب المعاصي، فينهاه عن ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ‏(‏15‏)‏ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏(‏16‏)‏ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ‏(‏17‏)‏ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ‏(‏18‏)‏ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ‏}‏ يعني‏:‏ حقاً لئن لم يمتنع أبو جهل، عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتب، ولم يسلم قبل الموت ‏{‏لَنَسْفَعاً بالناصية‏}‏ يعني‏:‏ لنأخذ به بالناصية أخذاً شديداً، يعني‏:‏ يؤخذ بنواصيه يوم القيامة، ويطوى مع قدميه، ويطرح في النار‏.‏ فنزلت الآية في شأن أبي جهل، وهي عظة لجميع الناس، وتهديد لمن يمنع عن الخير، وعن الطاعة‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏نَاصِيَةٍ كاذبة خَاطِئَةٍ‏}‏ جعل الكاذبة صفة الناصية، وإنما أراد صاحب الناصية، يعني‏:‏ ناصية كاذبة على الله تعالى، خاطئة يعني‏:‏ مشركة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الذي يجحد، ويأكل رزق الله تعالى، ويعبد غيره‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد صلى الله عليه وسلم، فليدع أهل مجلسه، وأصحابه الكفرة حتى ‏{‏سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ يعني‏:‏ الملائكة، هم ملائكة العذاب، غلاظ شداد، والزبانية أخذ من الزَّبْن، وهو الدفع وإنما سمّوا الزبانية، لأنهم يدفعون الكفار إلى النار‏.‏ ويقال‏:‏ إنما سموا زبانية، لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم‏.‏ وروي في الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ بهذه السورة، وبلغ إلى قوله لنسفعاً بالناصية، قال أبو جهل‏:‏ أنا أدعو قومي، حتى يمنعوا عني ربك‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ فلما سمع ذكر الزبانية، رجع فزعاً‏.‏ فقيل له‏:‏ خشيت منه، قال‏:‏ ولكن رأيت عنده فارساً فهددني بالزبانية، فلا أدري ما الزبانية، ومال إلى الفارس، فخشيت أن يأكلني‏.‏ وروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هدد أبا جهل فقال‏:‏ لِمَ تهددني‏؟‏ فوالله علمتَ أني أكثر أهل الوادي نادياً، لئن دعوتُ، يعني‏:‏ أهل مجلسي منعوني عن ربك، فنزل ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ لو دعا ناديه، أخذته الزبانية‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ‏}‏ يعني‏:‏ حقاً لا تطعه في ترك الصلاة يا محمد ‏{‏واسجد‏}‏ يعني‏:‏ صل لله تبارك وتعالى ‏{‏واقترب‏}‏ يعني‏:‏ صل واقترب إلى ربك، بالأعمال الصالحة‏.‏ وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال‏:‏ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ألا يرى إلى قوله ‏{‏واسجد واقترب‏}‏ يعني‏:‏ اقترب إلى ربك بالسجود، واعلم أن السجود أربعة أحرف، السين سرعة المطيعين والجيم جهد العابدين والدال دوام المجتهدين والهاء هداية العارفين ويقال السين سرور العارفين، الجيم جمال العابدين، والدال دولة المطيعين، والهاء هبة الصديقين‏.‏

سورة القدر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ‏(‏2‏)‏ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ‏(‏3‏)‏ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ‏(‏4‏)‏ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر‏}‏ يعني‏:‏ أنزلنا القرآن الكريم جملة واحدة إلى سماء الدنيا، من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، يعني‏:‏ في ليلة القضاء، وإنما سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى، يقدر في تلك الليلة ما يكون من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل، والرزق‏.‏ وغيره ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة إسرافيل وجبريل، وميكائيل وملك الموت عليهم السلام‏.‏ وفي آية أخرى ‏{‏فِى لَيْلَةٍ مباركة‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 3‏]‏ وإنما سميت ليلة مباركة، يعني‏:‏ ليلة القدر، لأنه ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر‏}‏ تعظيماً لها، فقال‏:‏ ‏{‏لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏}‏ يعني‏:‏ العمل في ليلة القدر، خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان جالساً بين أصحابه، يحدث بأن رجلاً كان من بني إسرائيل، لبس السلاح ألف شهر، وصام ولم يضع السلاح، حتى مات‏.‏ فعظم ذلك على أصحابه فنزلت ‏{‏لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏}‏ يعني‏:‏ العمل فيها وثوابه، أفضل من لبس السلاح، وصيام ألف شهر ليس فيها ليلة القدر‏.‏ وروي في خبر آخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أَرَى أَعْمَالُ النَّاسِ»، فكأنه تقاصر أعمار أمته، أن لم يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى في الجنة ليلة القدر، خيراً من ألف شهر‏.‏ فقيل‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ليلة هي‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ‏"‏‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ تتنزل الملائكة من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، وهو مسكن جبريل على وسطها عليه السلام، فينزلون إلى الأرض، ويدعون الخلق، ويؤمنون بدعائهم، إلى وقت طلوع الفجر‏.‏ وذلك قوله‏:‏ ‏{‏تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ جبريل معهم وذكر في الخبر، أن جبريل عليه السلام، وقف على سطح الكعبة، ونشر جناحيه‏.‏ أحدهما يبلغ المشرق، والآخر يبلغ المغرب‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ «الروح» خلق يشبه الملائكة، وجهه يشبه وجه بني آدم عليه السلام‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو ما قال الله تعالى ‏{‏>وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 85‏]‏ وقال مجاهد ما نزل ملك إلا ومعه روح، ولهم أيد وأرجل، وهم موكلون على الملائكة، كما أن الملائكة موكلون على بني آدم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ينزلون بأمر ربهم ‏{‏مّن كُلّ أَمْرٍ * سلام‏}‏ يعني‏:‏ تلك الليلة من كل أمر سلام، يعني‏:‏ من كل آفة سلامة، يعني‏:‏ في هذه الليلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويقال سلام يعني‏:‏ لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها شراً‏.‏

وقال القتبي‏:‏ إن ‏(‏من‏)‏ توضع موضع ‏(‏الباء‏)‏، يعني‏:‏ بكل أمر سلام أي‏:‏ خير ‏{‏هِىَ حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏ وقال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ كل أمر سلام، وسلام من أن يحدث فيها آذًى، أو يستطيع الشيطان أن يعمل فيها‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ‏{‏تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ‏}‏ وقد تم الكلام‏.‏ يعني‏:‏ ينزلون فيها من كل أمر من الرخصة، وكل أمر قدره الله تعالى، في تلك الليلة إلى قابل‏.‏

ثم استأنف فقال‏:‏ ‏{‏سلام هِىَ‏}‏ يعني‏:‏ سلام وبركة، وخير كلها ‏{‏حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏‏.‏ وروي عن ابن عباس رضي الله، عنهما، أنه قرأ من كل أمر سلام، يعني‏:‏ الملائكة يسلمون على كل امرئ‏.‏ وقرأ الكسائي ‏{‏حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏ بكسر اللام، والباقون بنصب اللام‏.‏ فمن قرأ بالكسر، جعله اسماً لوقت الطلوع، ومن قرأ بالنصب جعله مصدراً‏.‏ يعني‏:‏ يطلع طلوعاً، والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة البينة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏1‏)‏ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ‏(‏2‏)‏ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ‏(‏3‏)‏ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ اليهود والنصارى ‏{‏والمشركين‏}‏ يعني‏:‏ عبدة الأوثان ‏{‏مُنفَكّينَ‏}‏ يعني‏:‏ غير منتهين عن كفرهم، وعن قولهم الخبيث ‏{‏حتى تَأْتِيَهُمُ البينة‏}‏ يعني‏:‏ حتى أتاهم البيان، فإذا جاءهم البيان، فريق منهم انتهوا وأسلموا، وفريق ثبتوا على كفرهم‏.‏ ويقال‏:‏ لم يزل الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، حتى وجب في الحكمة علينا في هذا الحال، إرسال الرسول إليهم‏.‏ ويقال‏:‏ معناه لم يكونوا منتهين عن الكفر، حتى أتاهم الرسول والكتاب، فلما آتاهم الكتاب والرسول، تابوا ورجعوا عن كفرهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، والذين أسلموا من مشركي العرب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏البينة‏}‏ أراد به محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال القتبي‏:‏ ‏{‏مُنفَكّينَ‏}‏ أي‏:‏ زائلين يقال‏:‏ لا أنفك من كذا أي‏:‏ لا أزول‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَسُولٌ مّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً‏}‏ يعني‏:‏ قرآناً مطهراً من الزيادة والنقصان‏.‏ ويقال‏:‏ مطهراً من الكذب، والتناقض ويقال‏:‏ ‏{‏صُحُفاً مُّطَهَّرَةً‏}‏ أي‏:‏ أمور مختلفة‏.‏ ويقال‏:‏ سمي القرآن صحفاً، من كثرة السور ‏{‏فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ صادقة مستقيمة لا عوج فيها‏.‏ ويقال‏:‏ كتب قيمة، يعني‏:‏ تدل على الصواب والصلاح، ولا تدل على الشرك والمعاصي‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ وما اختلفوا في محمد صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى ‏{‏إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة‏}‏ يعني‏:‏ بعدما ظهر لهم الحق، فنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ وما أمرهم محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله‏}‏ يعني‏:‏ ليوحدوا الله‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُواْ‏}‏ في جميع الكتب، ‏{‏إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله‏}‏ يعني‏:‏ يوحدوا الله ‏{‏مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَاء‏}‏ مسلمين‏.‏ روي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال‏:‏ ‏{‏حُنَفَاء‏}‏ يعني‏:‏ متبعين‏.‏ وقال الضحاك ‏{‏حُنَفَاء‏}‏ يعني‏:‏ حجاجاً يحجون بيت الله تعالى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَيُقِيمُواْ الصلاة‏}‏ يعني‏:‏ يقرون بالصلاة، ويؤدونها في مواقيتها ‏{‏وَيُؤْتُواْ الزكواة‏}‏ يعني‏:‏ يقرون بها ويؤدونها ‏{‏وَذَلِكَ دِينُ القيمة‏}‏ يعني‏:‏ المستقيم لا عوج فيه، يعني‏:‏ الإقرار بالتوحيد، وبالصلاة والزكاة، وإنما بلفظ التأنيث ‏{‏القيمة‏}‏ لأنه انصرف إلى المعنى، والمراد به الملة، يعني‏:‏ الملة المستقيمة لا عوج فيها‏.‏ يعني‏:‏ هذا الذي يأمرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وبهذا أمروا في جميع الكتب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏(‏7‏)‏ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين‏}‏ يعني‏:‏ الذين جحدوا من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن ومن مشركي مكة، وثبتوا على كفرهم ‏{‏فِى نَارِ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ دائمين فيها ‏{‏أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البرية‏}‏ يعني‏:‏ شر الخليقة‏.‏ قرأ نافع وابن عامر ‏(‏البريئة‏)‏ بالهمزة، والباقون بغير همزة‏.‏ فمن قرأ بالهمزة، فلأن الهمزة فيها أصل‏.‏ ويقال برأ الله الخلق، ويبرؤهم وهو الخالق البارئ‏.‏ ومن قرأ بغير همزة، فلأنه اختار حذف الهمزة وتخفيفها‏.‏

ثم مدح المؤمنين، ووصف أعمالهم، وبين مكانهم في الآخرة، حتى يرغبوا إلى جواره فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ صدقوا بالله، وأخلصوا بقلوبهم وأفعالهم، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تابعهم إلى يوم القيامة ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏ يعني‏:‏ هم خير الخليقة‏.‏ وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ‏(‏والله للمؤمن أكرم على الله تعالى من بعض الملائكة الذين عبدوه‏)‏ وروي عن الحسن، أنه سئل عن قوله ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية‏}‏ أهم خير من الملائكة‏؟‏ قال‏:‏ ويلك أين تعدل الملائكة، من الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏.‏

ثم بين ثوابهم فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ثوابهم في الآخرة ‏{‏جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار‏}‏ يعني‏:‏ أنهار من الخمر، والعسل، واللبن، وماء غير آسن ‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً‏}‏ يعني‏:‏ دائمين مقيمين فيها ‏{‏رَّضِىَ الله عَنْهُمْ‏}‏ بأعمالهم ‏{‏وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ بثوابه الجنة ‏{‏ذلك‏}‏ يعني‏:‏ هذا الثواب الذي ذكر ‏{‏لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ وَحَّدَ ربه في الدنيا، واجتنب معاصيه والله أعلم‏.‏

سورة الزلزلة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ‏(‏1‏)‏ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ‏(‏2‏)‏ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ‏(‏3‏)‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ‏(‏4‏)‏ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ‏(‏6‏)‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ‏(‏7‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الارض زِلْزَالَهَا‏}‏ وذلك أن الناس، كانوا يرون في بدء الإسلام، أن الله تعالى لا يؤاخذ بالصغائر من الذنوب، ولا يعاقب إلا في الكبائر، حتى نزلت هذه السورة وقال‏:‏ ‏{‏فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‏}‏ وذكر أهوال ذلك اليوم، وبين أن القليل في ذلك اليوم، يكون كثيراً فقال ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الارض زِلْزَالَهَا‏}‏ يعني‏:‏ تزلزلت الأرض عند قيام الساعة، وتحركت واضطربت، حتى يتكسر كل شيء عليها‏.‏ ويقال‏:‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن قيام الساعة، فنزل وبين متى يكون قيام الساعة فقال‏:‏ ‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الارض زِلْزَالَهَا‏}‏ يعني‏:‏ تزلزلت الأرض، وتحركت تحركاً وهو كقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 18‏]‏ والمصدر للتأكيد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَخْرَجَتِ الارض أَثْقَالَهَا‏}‏ يعني‏:‏ أظهرت ما فيها من الكنوز والأموات ‏{‏وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا‏}‏ يعني‏:‏ يقول الإنسان الكافر‏:‏ ما لها يعني‏:‏ للأرض على وجه التعجب‏.‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا‏}‏ يعني‏:‏ تخبر الأرض، بكل ما عَمِلَ عليها بنو آدم، من خير أو شر تقول‏:‏ للمؤمنين صلّى عليَّ، وحج واعتمر، وجاهد، فيفرح المؤمن، وتقول للكافر أشرك وسرق، وزنى وشرب الخمر، فيحزن الكافر فيقول‏:‏ ما لها‏؟‏ يعني‏:‏ ما للأرض تحدث بما عمل عليها‏؟‏ على وجه التقديم والتأخير، ومعناه‏:‏ يومئذٍ تحدث أخبارها ‏{‏وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا‏}‏‏.‏

يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا‏}‏ يعني‏:‏ أن الأرض تحدث، بأن ربك أذن لها في الكلام، وألهمها ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً‏}‏ يعني‏:‏ يرجع الناس متفرقين، فريق في الجنة، وفريق في السعير فريق مع الحور العين يتمتعون، وفريق مع الشياطين يعذبون، فريق على السندس والديباج، على الأرائك متكئون، وفريق في النار، على وجوههم يُجَرُّونَ‏.‏ اللهم في الدنيا هكذا كانوا فريقاً حول المساجد والطاعات، وفريق في المعاصي والشهوات، فذلك قوله ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً‏}‏ يعني‏:‏ فِرقاً فِرَقاً‏.‏

‏{‏لّيُرَوْاْ أعمالهم‏}‏ يعني‏:‏ ثواب أعمالهم، وهكذا‏.‏ كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، إلاَّ وَيَلُومُ نَفْسَهُ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِناً يَقُولُ‏:‏ لِمَ لَمْ أزدَدْ إحساناً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَقُولُ‏:‏ أَلاَ رَغِبْتُ عَنِ المَعَاصِي‏؟‏» وهذا عند معاينة الثواب والعقاب‏.‏ وقال أبيّ بن كعب‏:‏ الزلزلة لا تخرج إلا من ثلاثة، إما نظر الله تعالى بالهيبة إلى الأرض، وإما لكثرة ذنوب بني آدم، وأما لتحرك الحوت، التي عليها الأرضون السبع، تأديباً للخلق وتنبيهاً‏.‏

سورة العاديات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ‏(‏1‏)‏ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ‏(‏2‏)‏ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ‏(‏4‏)‏ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعاديات ضَبْحاً‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني كنانة واستعمل عليهم المنذر به عمرو، الساعدي، فأبطأ عليه، خبرهم فاغتم لذلك فنزل عليه جبريل عليه السلام بهذه السورة يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلمه عن حالهم فقال‏:‏ ‏(‏والعاديات ضبحاً‏)‏ يعني‏:‏ أفراس أصحابك يا محمد صلى الله عليه وسلم إنهم يسبحون في عدوهم ‏{‏فالموريات قَدْحاً‏}‏ يعني‏:‏ النار التي تسطع من حوافر الفرس إذا عدت في مكان ذي صخور وأحجار ‏{‏فالمغيرات صُبْحاً‏}‏ يعني‏:‏ أصحابك يغيرون على العدوّ عند الصبح ‏{‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً‏}‏ يعني‏:‏ يثيرون بحوافرهن التراب إذا عدت الفرس في مكان سهل يهيج التراب والغبار ‏(‏نقعاً‏)‏ يعني‏:‏ أطراحاً على الأرض ‏{‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً‏}‏ يعني‏:‏ أصحابك أصبحوا في وسط العدو مع الظفر والغنيمة فلا تغتم وقال الكلبي ‏(‏والعاديات ضبحاً‏)‏ يعني‏:‏ أنفاس الخيل حين تتنفس إذا اجتهدت وقال ابن مسعود رضي الله عنه ‏(‏والعاديات ضبحاً‏)‏ يعني‏:‏ الإبل بعرفات إذا دخل الحجاج مكة وروى عطاء عن ابن عباس في قوله ‏(‏والعاديات ضبحاً‏)‏ قال الخيل وما أصبح دابة قط إلا كلب أو خنزير وهو يلهث كما يلهث الكلب وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ هي الإبل تذهب إلى وقعة بدر‏.‏

وقال أبو صالح تقاولت مع عكرمة في قوله ‏(‏والعاديات ضبحاً‏)‏ قال عكرمة قال ابن عباس هي الخيل في القتال فقلت مولاي يعني‏:‏ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعلم من مولاك إنه كان يقول هي الإبل التي تكون بمكة حين تفيض من عرفات إلى جمع، وقال أهل اللغة‏:‏ الضبح صوت حلوقها إذا عدت، والضبح والضبع واحد، يقال‏:‏ ضبحت النوق وضبعت إذا عدت في المسير‏.‏

وهذا قسم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء وجوابه قوله تعالى ‏{‏إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ‏}‏ ‏[‏العاديات‏:‏ 6‏]‏ وقال بعضهم ‏(‏فالموريات قدحاً‏)‏ معناه فالمنجيات عملاً وهذا مثل ضربه الله تعالى فكما أن الأقداح تنجي الرجل المسلم من برد الشتاء والهلاك وإذا لم يكن معه الزند فيهلك في البرد فكذلك العمل الصالح ينجي العبد يوم القيامة ومن العذاب الهلاك وإذا لم يكن معه عمل صالح يهلك في العذاب ويقال ‏(‏فالموريات قدحاً‏)‏ يعني‏:‏ ناراً لأبي حباحب كان رجل في بعض أحياء العرب من أبخل الناس ولم يوقد ناراً حتى ينام كل ذي عين ثم يوقدها فإذا استيقظ أحد أطفأها لكي لا ينتفع بناره أحد بخلاً منه فكذلك الخيل حين اشتدت على الأرض الحصاة فقدحت النار بحوافرها لا ينتفع بها كما لا ينتفع بنار أبي حباحب ثم قال ‏(‏فالمغيرات صُبْحاً‏)‏ يعني‏:‏ الخُصَماء يغيرون على حسنات العبد يوم القيامة بمنزلة ريح عاصف يجيء ويرفع التراب الناقع من حوافر الدواب فذلك قوله تعالى ‏(‏فأثرن به نقعاً‏)‏ ويقال هي الإبل ترجع من عرفات إلى مزدلفة ثم يرجعن إلى منى ويذبح هناك ويقسم الخمر ويوجد اللحم كأنهم أغاروها ‏(‏فأثرن به نقعاً‏)‏ يعني‏:‏ هيّجن بالوادي غباراً حين يرجعون من مزدلفة إلى منى وقوله تعالى ‏(‏به‏)‏ كناية عن الوادي فكأنه يقول ‏(‏فأثرن به نقعاً‏)‏ أي غباراً ثم قال ‏(‏فوسطن به جمعاً‏)‏ يعني‏:‏ فوقعن بالوادي ويقال بالمكان جمعاً أي اجتمع الحاج بمنى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 11‏]‏

‏{‏إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ‏(‏8‏)‏ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ‏(‏9‏)‏ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

ثم قال ‏{‏إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ‏}‏ فيه جواب القسم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء وفيه بين ذكر فضل الغازي وفضل فرس الغازي على تفسير من فسر الآية على الفرس حين أقسم الله تعالى بالتراب الذي يخرج والنار التي تخرج من تحت حوافر فرس الغازي لأنه ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى‏.‏ ومن فسر الآية على الإبل ففي الآية بيان فضل الحاج وفضل دواب الحاج حيث أقسم الله تعالى بالتراب الذي يخرج من تحت أخفاف إبل الحاج والنار التي تخرج منها حيث صارت في أرض الحجارة أن الإنسان لربه لكنود يعني‏:‏ لبخيل قال مقاتل نزلت في قرط بن عبد الله وقال معنى «الكنود» بلسان كندة وبني حضرموت هو العاصي سيده وبلسان بني كنانة البخيل ويقال هو الوليد بن المغيرة ويقال هو أبو حباحب ويقال كان ثلاثة نفر في العرب في عصر واحد أحدهم آية في السخاء وهو حاتم الطائي والثاني آية في البخل وهو أبو حباحب والثالث آية في الطمع وهو أشعب، كان طماعاً، وكان من طمعه إذا رأى عروساً تزف إلى موضع جعل يكنس باب داره لكي تدخل داره وكان إذا رأى إنساناً يحك عنقه فيظن أنه ينزع القميص ليدفعه إليه ويقال «الكنود» الذي يمنع وفده ويجمع أهله ويضرب عبده ويأكل وحده ولا يعبأ للنائرة في قومه أي المصيبة، وقال الحسن‏:‏ الكنود الذي يذكر المصائب وينسى النعم، ويقال الكنود الذي لا خير فيه، ويقال‏:‏ الأرض التي غلب عليها السبخة ولا يخرج منها البذر أرض كنود‏.‏

قوله تعالى ‏{‏وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ‏}‏ يعني‏:‏ الله تعالى حفيظ على صنعه عالم به ‏{‏وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ‏}‏ يعني‏:‏ الإنسان على جمع المال حريص وقال القتبي معناه إنه لحب المال لبخيل والشدة البخل ها هنا وقال الزجاج معناه أنه من أجل حب المال لبخيل وهذا موافق لما قال القتبي ثم قال عز وجل ‏{‏أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى القبور‏}‏ يعني‏:‏ أفلا يعلم هذا البخيل إذا بعث الناس من قبورهم وعرضوا على الله تعالى بعثر يعني‏:‏ أخرج ‏{‏وَحُصّلَ مَا فِى الصدور‏}‏ يعني‏:‏ بين ما في القلوب من الخير والشر ‏{‏إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ عالم بهم وبأعمالهم وبنيَّاتهم ومن أطاعه في الدنيا ومن عصاه فيها وفي الآية دليل أن الثواب يستوجب على قدر النية ويجري به لأنه قال عز وجل ‏(‏وحصل ما في الصدور‏)‏ يعني‏:‏ يحصل له من الثواب بقدر ما كان في قلبه من النية إن نوى بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة يحصل له الثواب على قدره والله أعلم‏.‏

سورة القارعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏الْقَارِعَةُ ‏(‏1‏)‏ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏2‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏3‏)‏ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ‏(‏4‏)‏ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ‏(‏5‏)‏ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏6‏)‏ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏8‏)‏ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ‏(‏10‏)‏ نَارٌ حَامِيَةٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏القارعة * مَا القارعة‏}‏ يعني‏:‏ القيامة والساعة ما الساعة وهذا من أسماء يوم القيامة مثل الحاقة والطامة والصاخة، وإنما سميت القارعة لأنها تنزع القلوب بالأهوال ويقال سماها قارعة لثلاثة‏:‏ لأنها تقرع في أذن العبد بما علم وسمعه والثاني تقرع أركان العبد بعضه في بعض والثالث تقرع القلوب كما تقرع القصار الثوب ثم قال عز وجل ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة‏}‏ تعظيماً لشدتها ثم وصفها فقال ‏{‏يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث‏}‏ يعني‏:‏ كالجراد كالفراش يجول بعضهم في بعض كما قال في آية أخرى ‏{‏خُشَّعاً أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الاجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 7‏]‏ ويقال شبههم بالفراش لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي الفراش نفسه في النار ‏{‏وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش‏}‏ يعني‏:‏ كالصوف المندوف وهي تمر مَرَّ السحاب ‏{‏فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه‏}‏ يعني‏:‏ رجحت حسناته على سيئاته ويقال ثقلت موازينه بالعمل الصالح بالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات ‏{‏فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ في عيش مرضي يعني‏:‏ في الجنة لا موت فيها ولا فقر ولا مرض ولا خوف ولا جنون يعني‏:‏ آمن من كل خوف وفقر ‏{‏وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه‏}‏ يعني‏:‏ رجحت سيئاته على حسناته يعني‏:‏ الكافر ويقال من خفت موازينه يعني‏:‏ لا يكون له عمل صالح ‏{‏فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ مصيره إلى النار قال قتادة هي أمهم ومأواهم وإنما سميت الهاوية لأن الكافر إذا طرح فيها يهوي على هامته وإنما سميت أمه لأنه مصيره إليها ومسكنه فيها ثم وصفها فقال ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ‏}‏ تعظيماً لشدتها ثم أخبر عنها فقال ‏{‏نَارٌ حَامِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ حارة قد انتهى حرها وأصله ما هي فأدخلت الهاء للوقف كقوله ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كتابيه‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 19‏]‏ وأصله كتابي قرأ حمزة والكسائي وما أدراك ما هي بغير هاء في الوصل وبالهاء عند الوقف وقرأ الباقون بإثباتها في الوصل والوقف والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

سورة التكاثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ‏(‏1‏)‏ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ‏(‏2‏)‏ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ‏(‏5‏)‏ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ‏(‏6‏)‏ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ قال الكلبي نزلت في حَيَّيْن من العرب أحدهما بنو عبد مناف والآخر بنو سهم تفاخرا في الكثرة فكثرتهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم إنا البغي والقتال قد أهلكنا فقد أحيانا وأحياكم وأمواتنا وأمواتكم ففعلوا فكثرتهم بنو سهم فنزل ‏(‏أَلْهَاكُمُ التكاثر‏)‏ يعني‏:‏ شغلكم وأذهلكم التفاخر ‏{‏حتى زُرْتُمُ المقابر‏}‏ يعني‏:‏ أتيتم وذكرتم وعددتم أهل المقابر يعني‏:‏ حتى يدرككم الموت على تلك الحال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ‏{‏ألهاكم التكاثر * حتى زُرْتُمُ المقابر‏}‏ ثم قال يقول بني آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فَأَفْنَيْتَ أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ويقال معناه أغفلكم التفاخر والتكاثر عن الهاوية والنار الحامية حتى زرتم المقابر يعني‏:‏ عددتم مَنْ في المقابر ثم قال ‏{‏كَلاَّ‏}‏ وهو رد على صنيعكم ويقال ‏(‏كلا‏)‏ معناه أي لاَ تَدَعون الفخر بالأحساب حتى زرتم المقابر وقال الزجاج كلا ردع لهم وتنبيه يعني‏:‏ ليس الأمر الذي أن يكون عليه التكاثر والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة الله تعالى والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ إذا نزل بكم الموت ويقال ‏(‏كلا سوف تعلمون‏)‏ إن سئلتم في القبر ثم قال ‏{‏ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ بعد الموت حين نزل بكم العذاب لأن الأحساب لا تنفعكم قوله تعالى ‏{‏كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ‏}‏ قال بعضهم معناه لا لا تؤمنون بالوعيد وقد تم الكلام ثم استأنف فقال ‏{‏عِلْمَ اليقين‏}‏ يعني‏:‏ لو تعلمون ما القيامة باليقين لألهاكم عن ذلك ويقال هذا موصول به كلا لو تعلمون يقول حقاً لو علمتم علم اليقين بأن المال والحسب والفخر لا ينفعكم يوم القيامة ما افتخرتم بالمال والعدد والحسب ثم قال عز وجل ‏{‏لَتَرَوُنَّ الجحيم‏}‏ قرأ ابن عامر والكسائي ‏{‏لَتَرَوُنَّ‏}‏ بضم التاء والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فهو على فعل ما لم يسم فاعله ونصب الجحيم على أنه مفعول به ثان، ومن قرأ بالنصب فعلى فعل المخاطبة ونصب الجحيم لأنه مفعول يعني‏:‏ لترون الجحيم يوم القيامة عياناً ‏{‏ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين‏}‏ يعني‏:‏ يدخلونها عياناً لا شك فيه ‏{‏ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم‏}‏ يعني‏:‏ ولتسألن يوم القيامة عن النعيم قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أكل خبزاً يابساً وشرب الماء من الفرات فقد أصاب النعيم وقال ابن مسعود رضي الله عنه هو الأمن والصحة وروى حماد بن سلمة عن أبيه عمار بن أبي عمار عن جابر أنه قال جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأطعمناهم رطباً وأسقيناهم الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ» وروى صالح بن محمد عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال إن أبا بكر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلة أكلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي الهيثم بن التيهان من لحم وخبز وشعير وبسر مذنب وماء عذب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنَّمَا ذلك لِلكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ ثَلاَثَةٌ لا يَسْأَلُ الله تَعالَى عَنْهَا العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا يُوارِي عَوْرَتَهُ وَمَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبُهُ وَمَا يَكُفُّهُ عَنِ الحَرِّ والقُرِّ وَهُوَ مَسْؤُولٌ بَعْدَ ذلك عَنْ كُلِّ نِعْمَةٍ» وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «مَا أَنْعَمَ الله تَعَالَى عَلَى العَبْدِ مِنْ نِعْمَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ فَيَقُولُ عَلَيْهَا الحَمْدُ لله إِلاَّ أَعْطَاهُ الله تَعَالى خَيْراً مِمَّا أَخَذَ» والله أعلم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ قَرَأَ سُورَةِ التَّكَاثُر لَمْ يُحَاسِبْهُ الله تَعَالَى بِالنَّعِيمِ الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ القُرْآنْ»‏.‏

سورة العصر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏وَالْعَصْرِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ‏(‏2‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏والعصر‏}‏ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعني‏:‏ الدهر وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يعني‏:‏ صلاة الصعر وذلك أن أبا بكر لما أسلم قالوا‏:‏ خَسِرْتَ يا أبا بكر حين تركت دين أبيك، فقال أبو بكر‏:‏ ليس الخسارة في قبول الحق إنما الخسارة في عبادة الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنكم فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية ‏(‏والعصر‏)‏‏.‏ أقسم الله تعالى بصلاة العصر ‏{‏إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ‏}‏ يعني‏:‏ أن الكافر لفي خسارة وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال «إن الإنسان لفي خسر» يعني‏:‏ الناس كلهم ثم استثنى فقال عز وجل ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ فإنهم غير منقوصين قال القتبي الخسر النقصان إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير منقوص كما قال الله تعالى ‏(‏ثم رددناه أسفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏)‏ يعني‏:‏ يكتب لهم ثواب عملهم وإن ضعفوا عن العمل قال الزجاج إن الإنسان أراد به الناس والخسران واحد ومعناه إن الإنسان الكافر والعاملين بغير طاعة الله تعالى لفي خسر وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ والعصر ونوايب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفي لعنة إلى آخر الدهر ويقال أقسم الله تعالى بخالق الدهر إن الإنسان لفي خسر يعني‏:‏ أبا جهل والوليد بن المغيرة ومن كان في مثل حالهما ثم استثنى المؤمنين فقال‏:‏ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني‏:‏ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالحق‏}‏ يعني‏:‏ تحاثوا على القرآن يعني‏:‏ يُرَغِّبون في الإيمان بالقرآن والأعمال الصالحة ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالصبر‏}‏ يعني‏:‏ تحاثوا على الصبر على عبادة الله تعالى وعلى الشدائد فيرغبون الناس على ذلك ويقال بالصبر على المكاره فإن الجنة حفت بالمكاره والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

سورة الهمزة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ‏(‏2‏)‏ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ‏(‏5‏)‏ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ‏(‏6‏)‏ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏8‏)‏ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ‏(‏9‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ الشدة من العذاب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ‏}‏ واد في جهنم، ‏{‏لِكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏ قال أبو العالية‏:‏ يعني‏:‏ يهمزه في وجهه، ويلمزه من خلفه‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الهمزة اللعان، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الهمزة واللمزة، الذي يفرق بين الناس بالنميمة‏.‏ والآية نزلت في الأخنس بن شريق‏.‏ ويقال‏:‏ الذي يسخر من الناس، فيشير بعينه وبحاجبيه، وبشفتيه إليه‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويطعن في وجهه‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت في جميع المغتابين‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ‏}‏ يعني‏:‏ استعبد بماله، الخدم والحيوان، وعدّده أي‏:‏ حسبه وأحصاه‏.‏ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي ‏{‏الذى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ‏}‏ بالتشديد، والباقون بالتخفيف‏.‏ فمن قرأ بالتشديد، فهو للمبالغة كثر الجمع، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه ‏{‏جُمِع مَالاً وَعَدَّدَهُ‏}‏ أي‏:‏ قوماً أعدهم نصاراً‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ‏}‏ يعني‏:‏ يظن أن ماله الذي جمع، أخلده في الدنيا، ويمنعه من الموت‏.‏ ومن قرأ بالتخفيف، فلا يموت حتى يفنى ماله‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ لا يخلده ماله أبداً، وولده‏.‏ ثم استأنف فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏لَيُنبَذَنَّ فِى الحطمة‏}‏ يعني‏:‏ ليطرحن، وليقذفن في الحطمة، والحطمة اسم من أسماء النار‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحطمة‏}‏ تعظيماً لشدتها‏.‏ ثم وصفها فقال‏:‏ ‏{‏نَارُ الله الموقدة‏}‏ يعني‏:‏ المستعرة، تحطم العظام، وتأكل اللحم، فلهذا سميت الحطمة ‏{‏التى تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة‏}‏ يعني‏:‏ تأكل اللحم، حتى تبلغ أفئدتهم‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة‏}‏ أي‏:‏ تشرف على الأفئدة، وخص الأفئدة، لأن الألم إذا وصل إلى الفؤاد، مات صاحبه‏.‏ فأخبر أنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 13‏]‏ ويقال‏:‏ ‏{‏تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة‏}‏ يعني‏:‏ تأكل الناس، حتى تبلغ الأفئدة فإذا بلغت ابتدأ خلقه، ولا تحرق القلب، لأن القلب إذا احترق، لا يجد الألم، فيكون القلب على حاله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ مطبقة على الكافرين ‏{‏فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ‏}‏ يعني‏:‏ طبقها مشدود إلى العمد‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ معناه العذاب مطبق عليهم في عمد، أي‏:‏ عمد من النار‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ مؤصدة أي‏:‏ حائط لا باب فيه‏.‏ وروي عن الأعمش، أنه كان يقرأ ‏{‏عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ‏}‏ ممدودة يعني‏:‏ أطبقت الأبواب، ثم شددت بالأوتاد من حديد، من نار حتى يرجع إليهم غمها وحرها، فلا يفتح لهم باب، ولا يدخل عليهم روح، ولا يخرج منها غم إلى الأبد‏.‏ قرأ حمزة والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، في عُمد ممدودة بضم العين والميم‏.‏ وقرأ الباقون بالنصب، ومعناهما واحد، وهو جمع العماد‏.‏ والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الفيل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ‏(‏1‏)‏ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ‏(‏2‏)‏ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ‏(‏3‏)‏ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏ يعني‏:‏ ألم تخبر بالقرآن‏.‏ ويقال‏:‏ ألم تر، يعني‏:‏ ألم يبلغك الخبر‏.‏ ويقال‏:‏ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإخبار، يعني‏:‏ اعلم واعتبر بصنيع ربك ‏{‏كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ‏}‏ يعني‏:‏ كيف عذب ربك ‏{‏بأصحاب الفيل‏}‏ وكان بدء أصحاب الفيل، ما ذكرناه في سورة البروج، أن زرعة قتل المسلمين بالنار، فهرب رجل منهم إلى ملك الحبشة، وأخبره بذلك‏.‏ فبعق ملك الحبشة جيشاً إلى أرض اليمن، فأمَّر عليهم أرياطاً، ومعه في جنده أبرهة الأشرم، فركب البحر بمن معه، حتى أتوا ساحلاً، مما يلي أرض اليمن، فدخلوها ومع أرياط سبعون ألفاً من الحبشة، وهزم جنود زرعة، وألقى زرعة نفسه في الماء، فهلك وأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه‏.‏

ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة أبرهة، وكان من أصحابه، ممن وجّهه معه النجاشي إلى اليمن وخالفه أبرهة وتفرق الجند في أرض اليمن، وصار إلى كل واحد منهما طائفة منهم‏.‏ ثم خرجوا للقتال، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض، أرسل أبرهة إلى أرياط، أن لا تصنع شيئاً، بأن تلقي الحبشة بعضها في بعض، حتى تفنيها‏.‏ فأبرز لي وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إلى جنده، فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفت فاخرج، فخرج إليه أبرهة، وكان رجلاً قصيراً، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً طويلاً عظيماً، في يده حربة، وخلف أبرهة عبداً يقال له عنودة وروي عن بعضهم عيودة بالياء، فلما دنا أحدهما من صاحبه، رفع أرياط الحربة، فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخة، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فخدشت حاجبيه وعينه وأنفه وشفتيه‏.‏ فلذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل عيودة على أرياط من خلف أبرهة، فقتل أرياط، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن‏.‏

وكل ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك، غضب غضباً شديداً‏.‏ وقال‏:‏ عدا على أميري، فقتله بغير أمري‏.‏ ثم حلف أن لا يدع أبرهة، حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته‏.‏ فلما بلغ ذلك أبرهة، حلق رأسه، وملأ جراباً من تراب أرض اليمن‏.‏ ثم بعث إلى النجاشي، وكتب إليه، أيها الملك‏:‏ إنما كان أرياط عبدُك، وأنا عبدك، واختلفنا في أمرك، وكل طاعة لك‏.‏ إلا أني قد كنت أقوى على أمر الجيش منه، وأضبط له، وقد حلقت رأسي حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضي، ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه‏.‏ فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه، أن أثبت بأرض اليمن، حتى يأتيك أمري‏.‏

وقال أبرهة لعتودة حين قتل أرياط‏:‏ حكمك يعني‏:‏ أحكم عليّ بما شئت، فقال‏:‏ حكمي أن لا تدخل عروس من نساء أهل اليمن على زوجها، حتى أصيبها قبله‏.‏

قال‏:‏ ذلك لك‏.‏ فأقام أبرهة باليمن، وغلامه عنودة يصنع باليمن ما كان أعطاه في حكمه‏.‏ ثم عدل عليه رجل من حمير، أو من خَثْعم فقلته، فلما بلغ أبرهة قتله، وكان أبرهة رجلاً حليماً، ودعا في دينه من النصرانية‏.‏ فقال‏:‏ قد آن لكم يا أهل اليمن، أن يكون منكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال، إني والله لو علمت حين حكمته، أنه يسأل من الذي سأل ما حكمته، وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل، ولا قود‏.‏

ثم إن أبرهة بنى بصنعاء كنيسة، لم يُر مثلها في زمانه في أرض الروم، ولا في أرض الشام‏.‏ ثم كتب إلى النجاشي الأكبر، ملك الحبشة، أني قد بنيت لك كنيسة، لم يكن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، فلما علمت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي، خرج رجل من بني كنانة من الحمس، حتى قدم اليمن، فدخل الكنيسة، فنظر فيها، ثم خرى فيها فدخلها أبرهة، فوجد تلك العذرة فيها فقال‏:‏ من اجترأ عليّ بهذا، فقال له أصحابه‏:‏ أيها الملك، رجل من أهل ذلك البيت الذي يحجه العرب‏.‏ فقال‏:‏ أعليّ اجْتَرأ بهذا‏.‏ ثم قال بالنصرانية‏:‏ لأهْدِمَنَّ ذلك البيت ولأُخَرِّبنه، حتى لا يحجه حاج أبداً‏.‏ فدعا بالفيل وأذن قومه بالخروج‏.‏

وروي في رواية أُخرى أن فئة من قريش، خرجوا إلى أرض النجاشي، فأوقدوا ناراً، فلما رجعوا، تركوا النار في يوم ريح عاصف، حتى وقعت النار في الكنيسة، فأحرقتها‏.‏ فعزم أبرهة، وهو خليفة النجاشي‏.‏ أن يخرج إلى مكة فيهدم الكعبة، وينقل أحجارها إلى اليمن، فيبني هناك بيتاً ليحج الناس إليه‏.‏ وروي في رواية أُخرى، أن رجلاً من أهل مكة، خرج إلى اليمن، فأخذ جزعة من القصب ذات ليلة، وأضرم النار في الكنيسة فأحرقها ثم هرب‏.‏ فبناها أبرهة مرة أخرى، فحلف بعيسى ابن مريم بأن يهدم الكعبة، لكي يتحول الحج إلى كنيسته، فتجهز فخرج معه حتى إذا كان في بعض طريقه، بعث رجلاً من بني سليم، ليدعو الناس في حج بيته الذي بناه، فتلقاه رجل من اليمن بني كنانة، فقتله‏.‏

فازداد أبرهة بذلك غضباً، وحث على المسير والانطلاق، حتى إذا كان بأرض جعم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم، يقال له ذو يفن‏.‏ فدعا القوم، وأحبابه من سائر العرب، إلى حرب أبرهة، وصده عن بيت الله، فقاتله فهرب ذو يفن وأصحابه، وأخذوا ذا يفن، وأتى به أسيراً‏.‏ فلما أراد قتله قال‏:‏ أيها الملك، لا تقتلني، فإنه عسى أن أكون معك خير لك من قتلي، فتركه وحبسه عنده في وثاقه‏.‏ ثم مضى على وجهه ذلك، حتى إذا كان بأرض خشعم، عرض له فقيل ابن حبيب الخشعي، فقاتله فهزمه، وأخذ أسيراً‏.‏

فلما أتي به، وهم بقتله فقال‏:‏ أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخلى سبيله، وخرج به معه يدله على أرض العرب‏.‏

حتى إذا مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث، التقى في رجال من ثقيف فقالوا‏:‏ أيها الملك إنما نحن عبيدك، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا الذي تريد، يعنون اللات والعزى، وليست بالتي يحج إليه العرب، وإنما ذلك بيت قريش الذي بمكة، فنحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبارغال، فخرج يهديهم الطريق، حتى أنزلهم بالمغمس وهي على ستة أميال من مكة، فمات أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي ترجمه الناس بالمغمس‏.‏

ثم إن قريشاً لما علموا، أن لا طاقة لهم بالقتال مع هؤلاء القوم، لم يبق بمكة أحد، إلا خرج إلى الشعاب والجبال، ولم يبق أحد إلا عبد المطلب على سقايته وشيبه، أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي البيت ويقول‏:‏ اللهم إن المرء يمنع رحله، فامنع رحالك لا يغلبوا بصليبهم، فأمر ما بدا لك‏.‏ ثم إن أبرهة بعث رجلاً من الحبشة على جمل له، حتى انتهى إلى مكة، وساق إلى أبرهة أموال قريش وغيرها‏.‏ فأصاب مائتي بعير لعبد المطلب، وهو يومئذٍ كبير قريش وسيدها‏.‏ ثم بعثت أبرهة رجلاً من أهل حمير إلى مكة، وقال أرسل إلى سيد هذا البيت وشريفهم‏.‏ ثم قال له‏:‏ إن الملك يقول لك، إني لم آت لأخرجكم، وإنما جئت لأهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا إلى دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم‏.‏

فلما دخل الرسول مكة، جاء إلى عبد المطلب، وأدى إليه الرسالة، فقال له عبد المطلب‏:‏ ما نريد حربه، وما لنا بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي يفن، وكان صديقاً له، فجاءه وهو في مجلسه فقال له‏:‏ هل عندك من عناء بما نزل بنا، فقال له ذو يفن‏:‏ ما عناء رجل أسير بيد ملك ينتظر بأن يقتله، عدواً أو مشياً ألا إن صاحب الفيل صديق لي، فأرسل إليه فأوصيه لك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه أنت بما بدا لك‏.‏ فقال حسبي ففعل ذلك، فلما دخل عبد المطلب على الملك وكلمه، فأعجبه كلامه‏.‏

ثم قال لترجمانه‏:‏ قل له ما حاجتك، قال عبد المطلب‏:‏ حاجتي إليك، أن ترد إلي مائتي بعير لي، فلما قال ذلك، قال له أبرهة‏:‏ لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم إني رجوت‏.‏ يعني‏:‏ كرهت فيك حيث كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه‏.‏ لا تكلمني فيه‏.‏ قال عبد المطلب‏:‏ أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه‏.‏

فقال‏:‏ ما كان يمنع مني، قال‏:‏ أنت وذلك فرد عليه الإبل، فانصرف عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم الخبر، وأمر بالخروج لمن بقي من أهل مكة إلى الجبال، وفي بطون الشعاب‏.‏

ثم إن عبد المطلب، أخذ بحلقتي باب الكعبة، وقال‏:‏ اللهم إن المرء يمنع رحله، وذكر كلمات في ذلك‏.‏ ثم أرسل حلقتي الباب، وانطلق ومن معه إلى الجبال، ينتظرون ما يصنع أبرهة بمكة‏.‏ فلما أصبح أبرهة، تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وجيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وكنيته أبو العباس‏.‏ وكتبه أبو البكشوم، فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي، حتى جاء إلى جنب الفيل‏.‏ ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محموداً، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك والله في بلد الله الحرام‏.‏ ثم أرسل أذنه فاضطجع، فضربه ليقوم فأبى، فضربوه ليقوم فأبى وضربوا بالطبرزين فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة، فبرك وأرسل الله تعالى عليهم طيراً من البحر، أمثال الخطاطيف‏.‏ مع كل طير منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمصة والعدسة، لا تصيب أحداً منهم إلا هلك‏.‏

فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاؤوا منه، ويتساءلون عن نفل بن حبيب، ليدلهم على الطريق، فخرج نفيل يشتد، حتى صعد الجبل، فخرجوا معه يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا معه فيسقط من جسده أنملة أنملة، كلما سقطت منه أنملة، خرجت منه مدة قيح ودم، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم مات، فملك ابنه يكثوم بن أبرهة ملك اليمن‏.‏

وروي في الخبر، أنه أول ما وقعت الحصبة، والجدري بأرض العرب ذلك العام‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كان أمر أصحاب الفيل، قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم، بثلاث وعشرين سنة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كان ذلك في عام مولده عليه السلام‏.‏ وروي عن قبس بن مخرمة أنه قال‏:‏ ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الفيل‏.‏ فنزل قوله ‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيل‏}‏ يعني‏:‏ كيف عاقب ربك أصحاب الفيل، بالحجارة، حين أرادوا هدم الكعبة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ‏}‏ يعني‏:‏ في خسارة‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ألم يجعل صنيعهم في أباطيل ‏{‏وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ‏}‏ يعني‏:‏ متتابعاً بعضها على أثر بعض، أرسل عليهم الله طيوراً بيضاً صغاراً‏.‏ وقال عبيد بن عمير‏:‏ أرسل عليهم طيراً بلقا من البحر، كأنها الخطاطيف‏.‏ وروى عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ طيراً سوداً، جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً‏.‏ ثم قال ‏{‏تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ‏}‏ قال سعيد بن جبير، الحجارة أمثال الحمصة‏.‏

وروي عن ابن عباس قال‏:‏ رأيت عند أم هانئ من تلك الحجارة، مثل بعر الغنم، مخططة بحمرة‏.‏

وروى إسرائيل، عن جابر بن أسباط قال‏:‏ طيراً كأنها رجال الهند، جاءت من قبل البحر، تحمل الحجارة في مناقيرها وأظافيرها، أكبرها كمبارك الإبل، وأصغرها كرؤوس الإنسان ‏{‏تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ‏}‏ يعني‏:‏ من طين خلط بالحجارة، ويقال‏:‏ طين مطبوخ كما يطبخ الآجُرْ‏.‏ وذكر مقاتل، عن عكرمة قال‏:‏ هي طير جاءت من قبل البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع، لم تر قبل يومئذ ولا بعده، فجعلت ترميهم بالحجارة، فتجدر جلودهم‏.‏ وكان أول يوم رأى فيه الجدري‏.‏ ويقال‏:‏ مكتوب في كل حجر اسم الرجل، واسم أبيه، ولا يصيب الرجل شيء، إلا نفذه فيها وقع على رأس رجل، إلا خرج من دبره، وما وقعت على جانبه، إلا خرجت من الجانب الآخر‏.‏

وقال وهب بن منبه ‏{‏حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ‏}‏ قال بالفارسية سنك وكل يعني‏:‏ حجارة وطين‏.‏ وروى موسى بن بشار عن عكرمة ‏{‏حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ‏}‏ قال‏:‏ سنك وكل‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ‏}‏ يعني‏:‏ كزرع بالٍ، فأخبر الله تعالى أنه سلط على الجبابرة أضعف خلقه، كما سلط على النمرود بعوضة، فأكلت من دماغه أربعين يوماً، فمات من ذلك‏.‏ والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة قريش

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ‏(‏1‏)‏ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ‏(‏2‏)‏ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ‏(‏3‏)‏ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لإيلاف قُرَيْشٍ * إيلافهم‏}‏ قرأ ابن عامر لإلاف قريش، بغير ياء بعد الهمزة، والباقون بياء قبلها همزة، ومعناهما واحد، وهذا موصول بما قبله‏.‏ يعني‏:‏ أن الله تعالى، أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، يعني‏:‏ لتقر قريش بالحرم، ويجاورون البيت‏.‏ فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ‏}‏ لإيلاف قريش يعني‏:‏ فعل ذلك، ليؤلف قريشاً بهاتين الرحلتين، اللتين بهما عيشهم ومقامهم بمكة‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ ألفت موضع كذا، أي‏:‏ لزمته وألفينه الله‏.‏ كما يقال‏:‏ لزمته موضع كذا، ألزمنيه الله‏.‏ وكرر لإيلاف على معنى التأكيد، كما يقال‏:‏ أعطيتك المال لصيانة وجهك، وصيانتك عن جميع الناس‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ لئلاف قريش، يعني‏:‏ لنعمتي على قريش، وقال سعيد بن جبير، أذكر نعمتي على قريش، ويقال‏:‏ معناه لا يشق عليهم التوحيد، كما لا يشق عليهم ‏{‏رِحْلَةَ الشتاء والصيف‏}‏ قال مقاتل وذلك أن قريشاً، كانوا تجاراً، وكانوا يمتارون في الشتاء من الأردن وفلسطين، لأن ساحل البحر كان أدناها، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشام، وأخذوا طريق اليمن، فشق ذلك عليهم، فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة، حتى حملوا الطعام في السفن إلى مكة للبيع، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم على مسيرة ليلة، ويشترون فكفاهم الله تعالى مؤونة الشتاء والصيف‏.‏

‏{‏فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت‏}‏ لأن رب هذا البيت، كفاهم مؤونة الخوف والجوع، فليألفوا العبادة، كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف وقال الزجاج‏:‏ كانوا يترحلون في الشتاء إلى الشام، وفي الصيف إلى اليمن‏.‏ وهذا موافق لما قال مقاتل‏:‏ وقال السدي في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، وهكذا قال القتبي‏.‏ وروي عن أبي العالية، أنه قال‏:‏ كانوا لا يقيمون بمكة صيفاً ولا شتاءً، فأمرهم الله تعالى بالمقام عند البيت، في العبادة‏.‏

ويقال معناه‏:‏ قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم حتى يجتمعوا على الإيمان والتوحيد، وعبادة رب هذا البيت، كاجتماعهم على رحلة الشتاء والصيف ‏{‏فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت‏}‏ يعني‏:‏ سيد وخالق هذا البيت، الذي صنع هذا الإحسان إليكم، حتى يكرمكم في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا ‏{‏الذى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ‏}‏ يعني‏:‏ أشبعهم بعد الجوع الذي أصابهم، حتى جهدوا ‏{‏الذى أَطْعَمَهُم مّن‏}‏ يعني‏:‏ من خوف الجهد، والعدو والغارة‏.‏ وقال السدي ‏{‏وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ‏}‏ يعني‏:‏ من خوف الجذام، والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

سورة الماعون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ‏(‏1‏)‏ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ‏(‏2‏)‏ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏3‏)‏ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ‏(‏4‏)‏ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ‏(‏5‏)‏ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ‏(‏6‏)‏ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ الذى يُكَذّبُ بالدين‏}‏ قرأ الكسائي، ‏{‏أَرَأَيْتَ‏}‏ بغير ألف‏.‏ وقرأ نافع بالألف بغير همزة، والباقون بالألف والهمزة، ‏{‏أَرَأَيْتَ‏}‏‏.‏ وهذه كلها لغات العرب، واللغة المعروفة بالألف والهمزة، ومعناه ألا ترى يا محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكافر الذي يكذب بالدين يعني‏:‏ بيوم القيامة‏.‏ وقال‏:‏ معناه ما تقول يا محمد في هذا الكافر، الذي يكذب بيوم القيامة، فكيف يكون حاله يوم القيامة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نزلت في وهب بن عايل، وقال جعدة بن هبيرة‏:‏ نزلت في العاص بن وائل، ويقال‏:‏ هذا تهديد لجميع الكفار‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَذَلِكَ الذى يَدُعُّ اليتيم‏}‏ يعني‏:‏ يدفع اليتيم عن حقه، ويقال‏:‏ يمنع اليتيم حقه ويظلمه ‏{‏وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين‏}‏ يعني‏:‏ لا يحث على طعام المسكين، ويقال‏:‏ لا يطعم المسكين‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ‏}‏ يعني‏:‏ للمنافقين ‏{‏الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لاهين عنها حتى يذهب وقتها‏.‏ ‏{‏الذين هُمْ‏}‏ الناس بالصلاة، ولا يريدون بها وجه الله تعالى، حتى إذا رأوا الناس صلوا، وإذا لم يروا الناس لم يصلوا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ الماعون‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يمنعون الزكاة، والماعون بلغة الحبش المال‏.‏ وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال‏:‏ يراؤون بصلاتهم، ويمنعون الزكاة‏.‏ ويقال‏:‏ الماعون يعني‏:‏ المعروف كله، الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم‏.‏ وعن أبي عبيد قال‏:‏ سألت عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه عن الماعون، قال‏:‏ الماعون ما يتعاطاه الناس فيما بينهم، مثل الفأس والقدوم والقدر والدلو ونحو ذلك‏.‏ وروى وكيع، عن سالم بن عبد الله‏.‏ قال‏:‏ سمعت عكرمة يقول‏:‏ الماعون‏:‏ الفأس، والقدوم، والقدر، والدلو‏.‏ قلت‏:‏ من منع هذا فله الويل‏.‏ قال من راءى بصلاة وسها عنها، ومنع هذا فله الويل‏.‏ وقال القتبي‏:‏ الماعون الزكاة، ويقال‏:‏ الماعون هو الماء والكلأ‏.‏ وروي عن الفراء أنه قال‏:‏ هو المال، والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

سورة الكوثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ‏(‏1‏)‏ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أعطيناك الكوثر‏}‏ يعني الخير الكثير لفضيلة القرآن، ويقال العلم، وقال القتبي أحسبه «فَوْعَلَ» من الكثرة والخير الكثير، وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏إِنَّا أعطيناك الكوثر‏}‏ أراد به نهراً في الجنة طينه مسك أزفد ورضراضه اللؤلؤ أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وروى عطاء بن السائب عن محمد بن زياد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب ومجراه على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، تربته أطيب من المسك وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ فَإِذَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ مِنَ اللُؤْلُؤْ المُجَوَّفِ يَعْنِي الخِيَامَ قُلْتُ مَا هذا يَا جِبْرِيل‏؟‏ قَالَ‏:‏ هذا الكَوثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ ‏"‏‏.‏ ثُمَّ قال عز وجل ‏{‏فَصَلّ لِرَبّكَ‏}‏ يعني صلّ لله الصلوات الخمس ‏{‏وانحر‏}‏ قال بعضهم‏:‏ انحر نفسك يعني اجتهد في الطاعة، وقال بعضهم‏:‏ انحر يعني‏:‏ استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم‏:‏ وانحر يعني‏:‏ البدنة يعني‏:‏ اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، انحر يعني‏:‏ استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم‏:‏ وانحر يعني‏:‏ البدنة يعني‏:‏ اعرف هذه الكرامة من الله تعالى وأطعم، وقال بعضهم‏:‏ صل صلاة العيد يوم العيد وانحر البدنة ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الابتر‏}‏ يعني‏:‏ مبغضك وهو «العاص بن وائل السهمي» هو الأبتر يعني‏:‏ الأبتر من الخير وذلك أن العاص بن وائل السهمي كان يقول لأصحابه‏:‏ هذا الأبتر الذي لا عقب له‏.‏ وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتم لذلك فنزل إن شانئك هو الأبتر وأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم ستذكر معي إذا ذكرت فرفع الله ذكره في كل مواطن ويقال‏:‏ ‏{‏فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر‏}‏ بأن يستوي بين السجدتين حتى يبدي نحره فخاطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به جميع الأمة كما قال‏:‏ ‏{‏لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل‏}‏ وأراد به هو وأصحابه، وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر‏}‏ قال يعني‏:‏ ضع اليمين على الشمال في الصلاة ‏{‏إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الابتر‏}‏ في ماله وولده وأهله والبتر‏:‏ في اللغة الاستئصال والقطع وقال قتادة الأبتر الحقير الرقيق الذليل‏.‏

سورة الكافرون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ‏(‏1‏)‏ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ‏(‏2‏)‏ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ‏(‏3‏)‏ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ‏(‏4‏)‏ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ‏(‏5‏)‏ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ ياأيها الكافرون‏}‏ وذلك أن قريشاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن يَسُرّك بأن نتبعك عاماً ونترك ديننا ونتبع دينك وترجع إلى ديننا عاماً‏.‏ فنزلت هذه السورة وقال مقاتل‏:‏ نزلت في المستهزئين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم وجرى على لسانه ما جرى فقال أبو جهل أخزاه الله لا يفارقنا إلا على أحد أمرين ندخل معك في بعض ما تعبد وتدخل معنا في بعض ديننا أو نتبرأ من آلهتنا وتتبرأ من إلهك فنزلت هذه السورة، وقال الكلبي‏:‏ إنهم أتوا العباس فقالوا له‏:‏ لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول وآمنا به فنزل ‏{‏قُلْ ياأيها الكافرون‏}‏، ويقال إنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا له‏:‏ إن ابن أخيك يؤذينا ونحن لا نؤذيه بحرمتك فدعاه أبو طالب وذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنَّما أَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ» فقال ما هي‏؟‏ قال‏:‏ «لاَ إله إلاَّ الله» فنفروا عن هذه الكلمة فنزلت ‏{‏قُلْ ياأيها الكافرون‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد لأهل مكة ‏{‏لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏لاَ أَعْبُدُ‏}‏ بعد هذا ‏{‏مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ أنتم من الأوثان ولا أرجع إلى دينكم ‏{‏وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ‏}‏ يعني‏:‏ لا تعبدون أنتم بعد هذا الرب الذي أعبده أنا حتى ترون ما يستقبلكم غداً وهذا كقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِى الوجوه بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 29‏]‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ‏}‏ يعني‏:‏ لست أنا في الحال عابداً لأصنامكم وما كنت عابداً لها قبل هذا لأني علمت مضرة عبادتها ‏{‏وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ‏}‏ يعني‏:‏ لستم عابدين في الحال لجهلكم وغفلتكم وقلة عقلكم‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ‏}‏ يعني‏:‏ قد أكملت عليكم الحجة فليس عليّ أن أجبركم على الإسلام فاثبتوا على دينكم حتى تروا ماذا يستقبلكم غداً وأنا أثبت على ديني الذي أكرمني الله تعالى به ولا أرجع إلى دينكم أبداً وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية القتال، فيها دليل أن الرجل إذا رأى منكراً أو سمع قولاً منكراً فأنكره فلم يقبلوا منه لا يجب عليه أكثر من ذلك وإنما عليه أن يحفظ مذهبه وطريقه ويتركهم على مذهبهم وطريقهم‏.‏ وقال الحسن سمعت شيخاً يحدث قال‏:‏ بينما أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلاً يقرأ ‏{‏قُلْ ياأيها الكافرون‏}‏ فقال‏:‏ «أَمَّا هذا فَقَدْ بَرِئ مِنَ الشِّرْكِ» وسمع رجلاً يقرأ ‏{‏قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الصمد‏:‏ 1‏]‏ فقال‏:‏ «أَمَّا هذا فَقَدْ غَفَرَ الله تَعَالَى لَهُ» والله أعلم‏.‏

سورة النصر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ‏(‏1‏)‏ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ‏(‏2‏)‏ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ الله‏}‏ وروى عبد الملك بن سليمان قال‏:‏ سمعت سعيد بن جبير يقول كان أناس من المهاجرين قد وجدوا عمر وفي إدنائه ابن عباس رضي الله عنهما دونهم وكان يسأله فقال عمر‏:‏ أما إني سأريكم منه اليوم ما تعرفون به فضله فسأله عن هذه السورة ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح‏}‏ قال بعضهم‏:‏ أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً أن يحمده ويستغفره فقال لابن عباس تكلم، فقال أعلمه الله متى يموت فقال‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح‏}‏ فهي آيتك من الموت ‏{‏فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ‏}‏، قال مقاتل لما نزلت هذه السورة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فاستبشروا فسمع بذلك ابن عباس فبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك فقال نعيت نفسك فقال‏:‏ «صَدَقْتَ» فعاش بعد هذه السورة سنتين‏.‏ وروى أبو عبيد بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول‏:‏ «سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمِدكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وقال علي رضي الله عنه لما نزلت هذه السورة مرض النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل وتوفي بعد أيام‏.‏ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح‏}‏ يعني إذا أتاك نصر من الله تعالى على الأعداء من قريش وغيرهم، ‏{‏والفتح‏}‏ يعني‏:‏ فتح مكة والطائف وغيرها ‏{‏وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِى دِينِ الله أفواجا‏}‏ يعني‏:‏ جماعة جماعة وقبيلة قبيلة، وكان قبل ذلك يدخلون واحداً واحداً فدخلوا فوجاً فوجاً فإذا رأيت ذلك فاعلم أنك ميت فاستعد للموت بكثرة التسبيح والاستغفار فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ سبحه، ويقال‏:‏ يعني‏:‏ سبح صل لربك ‏{‏واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوبَا‏}‏ يعني‏:‏ مسبحاً وذلك لمن تاب‏.‏

سورة المسد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ‏(‏1‏)‏ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ‏(‏2‏)‏ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ‏(‏3‏)‏ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ‏(‏4‏)‏ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ‏}‏ يعني‏:‏ خسر أبو لهب وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 214‏]‏ صعد على الصفا ونادى فاجتمعوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ وَأَدْعُوهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إله إلاَّ الله، فَقُولُوا أَشْهَدْ لَكُمْ بِهَا عِنْدَ رَبِّي ‏"‏ فأنكروا ذلك فقال أبو لهب‏:‏ تباً لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا، وروي في خبر آخر أنه اتخذ طعاماً ودعاهم ثم قال‏:‏ ‏"‏ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَأَطِيعُوا تَهْتَدُوا ‏"‏ فقال أبو لهب‏:‏ تبّاً لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا فنزلت ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ‏}‏ يعني‏:‏ خسرت يدا أبي لهب عن التوحيد ‏{‏وَتَبَّ‏}‏ يعني‏:‏ وقد خسر ويقال‏:‏ إنما ذكر اليد وأراد به هو وقال مقاتل‏:‏ تبت يدا أبي لهب وتب يعني‏:‏ خسر نفسه وكان أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم واسمه «عبد العزى» ولهذا ذكره بالكنية ولم يذكر اسمه لأن اسمه كان منسوباً إلى صنم وقال بعضهم‏:‏ كنيته كان اسمه ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ‏}‏ يعني‏:‏ ما نفعه ماله في الآخرة إذ كفر في الدنيا ‏{‏وَمَا كَسَبَ‏}‏ يعني‏:‏ ما ينفعه ولده في الآخرة إذا كفر في الدنيا والكسب أراد به الولد لأن ولد الرجل من كسبه ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ‏}‏ يعني‏:‏ يدخل في النار ذات لهب يعني ذات شعل ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وامرأته‏}‏ يعني‏:‏ امرأته تدخل النار معه ‏{‏حَمَّالَةَ الحطب‏}‏ قرأ عاصم حمالة الحطب بنصب الهاء ويكون على معنى الذم والشين ومعناه أعني حمالة الحطب والباقون بالضم على معنى الابتداء وحمالة الحطب جعل نعتاً لها فقال‏:‏ ‏{‏حَمَّالَةَ الحطب‏}‏ يعني‏:‏ حمالة الخطايا والذنوب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏حَمَّالَةَ الحطب‏}‏ يعني‏:‏ تمشي بالنميمة فسمى النميمة حطباً لأنه يلقي بني القوم العداوة والبغضاء وكانت تمشي بالنميمة في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويقال‏:‏ كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالليل من بغضها لهم حتى بلغ النبي عليه السلام شدة وعناء فحملت ذات ليلة حزمة شوك لكي تطرحها في طريقهم فوضعتها على جدار وشدتها بحبل من ليف على صدرها فأتاها جبريل عليه السلام ومده خلف الجدار وخنقها حتى ماتت فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ‏}‏ أي من ليف وقال أكثر أهل التفسير ‏{‏فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ‏}‏ يعني‏:‏ في الآخرة في عنقها سلسلة من حديد وتحتها نار وفوقها نار، وروى سعيد بن جبير رضي الله عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر رضي الله عنه لو تنحَّيْتَ يا رسول الله فإنها امرأة بذية فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

«سَيُحَال بَيْنِي وَبَيْنَهَا» فدخلت فلم تره فقالت لأبي بكر رضي الله عنه هجاناً صاحبك فقال والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله قالت إنك لمصدق فاندفعت راجعة فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله ما رأتك فقال‏:‏ «لَمْ يَزَلْ بَيْنِي وَبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي عَنْهَا حَتَّى رَجِعَتْ»‏.‏ وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي يزيد بن زيد قال لما نزلت هذه السورة قيل لامرأة أبي لهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هجاك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الخلاء وقالت يا محمد صلى الله عليه وسلم على ماذا تهجوني فقال‏:‏ «أَمَا وَلله مَا أَنَا هَجَوْتُكِ مَا هَجَاكِ إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ» قالت هل رأيتني أحمل الحطب أو رأيت في جيدي حبلها من مسد‏؟‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ‏}‏ مثل حديد البكرة، وقال غيره يعني عروة سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعاً والله أعلم‏.‏

سورة الإخلاص

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ‏(‏1‏)‏ اللَّهُ الصَّمَدُ ‏(‏2‏)‏ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ‏(‏3‏)‏ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ وذلك أن قريشاً قالوا له صِفْ لنا ربَّك الذي تعبده وتدعونا إليه ما هو‏؟‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد للكفار إني ربي الذي أعبده ‏{‏هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ يعني فرد لا نظير له ولا شبيه له ولا شريك له ولا معين له ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏الله الصمد‏}‏ يعني‏:‏ الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال السدي وعكرمة ومجاهد ‏{‏الصمد‏}‏ الذي لا جوف له، وعن قتادة قال كان إبليس لعنه الله ينظر إلى آدم عليه السلام ودخل في فيه وخرج من دبره يعني حين كان صلصالاً فقال للملائكة‏:‏ لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏:‏ الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ويتضرعون إليه عند مسألتهم وقال أبو وايل ‏{‏الصمد‏}‏ السيد الذي انتهى سؤدده وكذلك قال سعيد بن جبير وقال الحسن البصري رضي الله عنه ‏{‏الصمد‏}‏ الدائم، وقال قتادة ‏{‏الصمد‏}‏ الباقي ويقال الكافي وقال محمد بن كعب القرظي ‏{‏الصمد‏}‏ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ويقال‏:‏ ‏{‏الصمد‏}‏ التام في سؤدده وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال‏:‏ ‏{‏الصمد‏}‏ الذي لا يخاف من فوقه ولا يرجو من تحته ويُصْمَد إليه في الحوائج ثم قال عز وجل ‏{‏لَمْ يَلِدْ‏}‏ يعني‏:‏ لم يكن له ولد يرث ملكه‏.‏ ‏{‏وَلَمْ يُولَدْ‏}‏ يعني‏:‏ لم يكن له والد يرث عنه ملكه ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ‏}‏ يعني‏:‏ لم يكن له نظير ولا شريك فينازعه في عظمته وملكه وقال مقاتل‏:‏ إن مشركي العرب قالوا إن الملائكة كذا وكذا وقالت اليهود والنصارى في عزير والمسيح ما قالت فكذبهم الله تعالى وأبرأ نفسه مما قالوا فقال‏:‏ ‏{‏لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ‏}‏، قرأ عاصم في رواية حفص كفواً بغير همزة وقرأ حمزة بسكوت الفاء مهموزاً والباقون بضم الفاء مهموزاً بهمزة وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال من قرأ ‏{‏قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ بعد صلاة الفجر إحدى عشرة مرة لم يلحقه ذنب يومئذٍ ولو اجتهد الشيطان‏.‏

وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُم أَنْ يَقْرَأ القُرآنَ فِي لَيْلَةٍ‏؟‏» فقيل يا رسول الله من يطيق ذلك‏؟‏ قال‏:‏ «أَنْ يَقْرَأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ثَلاَثَ مَرَاتٍ» وروي عن ابن شهاب عن الزهري رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «مَنْ قَرَأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» والله أعلم‏.‏

سورة الفلق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ‏(‏1‏)‏ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ‏(‏2‏)‏ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ‏(‏3‏)‏ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ‏(‏4‏)‏ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق‏}‏ يعني‏:‏ قل يا محمد أعتصم وأستعيذ وأستعين بخالق الخلق، والفلق الخلق وأنما سمي الخلق فلقاً لأنهم فُلِقُوا من آبائهم وأمهاتهم ويقال‏:‏ ‏{‏أَعُوذُ بِرَبّ الفلق‏}‏ يعني‏:‏ بخالق الصبح، ويقال‏:‏ فالق الحب والنوى قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ‏}‏ ‏[‏أنعام‏:‏ 95‏]‏ وقال ‏{‏فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ اليل سَكَناً والشمس والقمر حُسْبَاناً ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 96‏]‏ ويقال الفلق واد في جهنم، ويقال‏:‏ جب في النار‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «الفَلَقُ شَجَرَةٌ فِي جَهَنَّمَ فَإِنْ أَرَادَ الله أَنْ يُعَذِّبَ الكَافِرَ بِأَشَدِّ العَذَابِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا»‏.‏ وروي عن كعب الأحبار أنه دخل في بعض الكنائس التي للروم فقال‏:‏ أخسر عمل وأضلُّ قوم قد رضيت لكم بالفلق فقيل له ما الفلق يا كعب‏؟‏ قال‏:‏ بئر في النار إذا فتح بابها صاح جميع أهل النار من شدة عذابها‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مِن شَرّ مَا خَلَقَ‏}‏ قال الجن والإنس وقال الكلبي من شر ما خلق يعني‏:‏ من شر ذي شر‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ‏}‏ يعني‏:‏ ظلمة الليل إذا دخل سواد الليل في ضوء النهار ويقال‏:‏ ‏{‏إِذَا وَقَبَ‏}‏ يعني‏:‏ إذا جاء وأدبر وقال القتبي‏:‏ ‏{‏الغاسق‏}‏ الليل والغسق الظلمة ويقال‏:‏ الغاسق القمر إذا انكسف واسودّ ‏{‏وَإِذَا وَقَبَ‏}‏ يعني‏:‏ إذا دخل في الكسوف‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِن شَرّ النفاثات فِى العقد‏}‏ يعني‏:‏ الساحرات المهيجات اللواتي ينفثن في العقد ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ‏}‏ يعني كل ذي حسد أراد به لبيد بن أعصم اليهودي ويقال لبيد بن عاصم‏.‏ وروى الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود عقد له عقداً فاشتكى لذلك أياماً فأتاه جبريل عليه السلام فقال له‏:‏ إن رجلاً من اليهود سحرك فبعث عليّاً رضي الله عنه واستخرجها فحلّها فجعل كلما حل عقدة وجد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك خفة حتى حلها كلها فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال فما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لليهود‏.‏

وروي في خبر آخر أن لبيد بن أعصم اتخذ لعبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأخذ من عائشة رضي الله عنها فأفحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل في اللعبة أحد عشرة عقدة ثم ألقاها في بئر، وألقى فوقها صخرة فاشتكى من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شكواً شديداً فصارت أعضاؤه مثل العقد فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النائم واليقظان إذ أتاه ملكان أحدهما جلس عند رأسه والآخر عند قدميه فالذي عند قدميه يقول للذي عند رأسه ما شكواه قال السحر قال‏:‏ من فعل به‏؟‏ قال لبيد بن أعصم اليهودي قال فأين صنع السحر قال في بئر كذا قال‏:‏ ماذا رأوه يبعث إلى تلك البئر فنزح ماؤها فإنه انتهى إلى الصخرة فإذا رأها فليقلعها فإن تحتها كؤبة وهي كؤبة قد سقطت عنقها وفيه إحدى عشرة عقدة فيحرق في النار فيبرأ إن شاء الله تعالى فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد فهم ما قالا فبعث عمار بن ياسر وعلياً رضي الله عنهما إلى تلك البئر في رهط من أصحابه فوجدوها كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم فنزلت هاتان السورتان وهي إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية حل منها عقدة حتى انحلت كلها ثم أحرقها بالنار فبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي في بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ و‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق‏}‏ و‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس‏}‏ ما سأل منها سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلها قط وهذه الآية دليل أن الرقية جائزة إن كانت بذكر الله تعالى وبكتابه والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الناس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ‏(‏1‏)‏ مَلِكِ النَّاسِ ‏(‏2‏)‏ إِلَهِ النَّاسِ ‏(‏3‏)‏ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ‏(‏4‏)‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ‏(‏5‏)‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس‏}‏ يقول أستعيذ بالله وخالق الناس ويقال‏:‏ أستعيذ بالله الذي هو رازق الخلق، ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مَلِكِ الناس‏}‏ يعني‏:‏ خالق الناس ومالكهم وله نفاذ الأمر والملك فيهم، ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إله الناس‏}‏ يعني‏:‏ خالق الناس ومعطيهم ومانعهم ‏{‏مِن شَرّ الوسواس‏}‏ يعني من شر الوسواس يعني من شر الشيطان، لأني لا أستطيع أن أحفظ نفسي من شره لأنه يجري في نفس الإنسان مجرى الدم ولا يراه بشر والله تعالى قادر على حفظي من شره ومن وسوسته‏.‏

ثم وصف الشيطان فقال‏:‏ ‏{‏الخناس‏}‏ قال مجاهد‏:‏ هو منبسط على قلب الإنسان إذا ذكر الله خنس وانقبض فإذا عقل انبسط على قلبه ويقال له‏:‏ خنوس كخنوس القنفذ ‏{‏الذى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس * مِنَ الجنة والناس‏}‏ يعني‏:‏ يدخل في صدور الجن كما يدخل في صدور الإنس ويوسوس لهم ويقال‏:‏ ‏{‏الناس‏}‏ في هذا الموضع يصلح للجن والإنس فإذا أراد به الجن فمعناه‏:‏ يوسوس في صدور المؤمنين الذين هم جن ‏{‏يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس‏}‏ يعني‏:‏ الذين هم من بني آدم ويقال‏:‏ ‏{‏الناس‏}‏ معطوف على الوسواس ومعناه‏:‏ ‏{‏مِن شَرّ الوسواس‏}‏ ‏{‏وَمِن شَرّ الوسواس الخناس‏}‏ كما قال في آية أخرى ‏{‏شياطين الإنس والجن‏}‏ وقال مقاتل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له جبريل عليه السلام ألا أخبرك يا محمد صلى الله عليه وسلم بأفضل ما يتعوذ به‏؟‏ قلت‏:‏ «وَمَا هُوَ‏؟‏» قال المعوذتان‏.‏

وروى علقمة عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَا تَعَوَّذَ المُعَوِّذُونَ بِمِثْلِ المَعُوذَتَيْنِ»‏.‏ وروي عن الحسن البصري في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنَ الجنة والناس‏}‏ قال إن من الناس شياطين فتعوذوا بالله من الشياطين يعني‏:‏ شياطين الجن والإنس، وقال هما شيطانان فأما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فإنه علانية وروى أبو معاوية عن عثمان بن واقد قال أرسلني أبي إلى محمد بن المنكدر أسأله عن المعوذتين أهما من كتاب الله تعالى‏؟‏ قال‏:‏ من لم يزعم أنهما من كتاب الله تعالى فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ‏(‏والله أعلم وصلَّى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين وأهل طاعتك أجمعين‏.‏ ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، حسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏